نقدم للقراء الكرام ترجمة لأهم فصل من كتاب رئيس مكتب ال إف بي آي السابق، والذي صدر بعنوان: "عندما كنت رئيساً لمكتب التحقيقات الفيدرالي: من تحطيم المافيا إلى التحقيق مع الرئيس بيل كلنتون فخوض الحرب ضد الإرهاب"، وخصص الكاتب هذا الفصل للحديث عن تفجير "الخبر" في السعودية وقصة نشأة حزب الله السعودي وعلاقته بالحدث، وارتباط إيران بالتفجير، كما أن في الفصل نقاشا مهما للخلاف الذي كان مؤثرا بين كلينتون وأعضاء حكومته).
مذكرات رئيس مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق: تفجير الخبر وحقيقة نشأة حزب الله السعودي وتورط إيران
تأليف: لويس فريه / رئيس مكتب ال إف بي آي السابق،
خدمة / مجلة العصر .
قبل العاشرة مساءً بالتوقيت المحلي بقليل في الخامس والعشرين من حزيران من عام 1996م، توقفت سيارة من نوع داتسن يقودها هاني الصايغ، وهو عضو بارز في الفرع السعودي لحزب الله، أو "حزب الله"، في الزاوية البعيدة لموقف السيارات الملاصق للبناء 131 في قاعدة الملك عبد العزيز في الظهران، على طول الخليج العربي الغني بالنفط في المملكة العربية السعودية.
وكان البناء المؤلف من ثمانية طوابق، جزءًا من مجمع سكني يعرف بمجمله بـ"أبراج الخبر"، وكان وقتها مأوىً لأكثر من ألفين من القوات الأمريكية والبريطانية، والفرنسية والسعودية، وكان البناء 131 يقطنه حصرياً أفراد القوة الجوية الأمريكية، التي كانت تطبق قرار حظر الطيران، الذي كان يجري تنفيذه في جنوب العراق منذ نهاية حرب الخليج الأولى، وكان مع الصايغ في سيارة الداتسن عبد الله الجَرَش الذي تم تجنيده في صفوف حزب الله في مقام السيدة زينب في دمشق.
وبعد عدة دقائق، دخلت سيارة شفروليه بيضاء ذات أربعة أبواب من نوع كابريس موقف السيارات وانتظرت كي تقوم سيارة الداتسن بإشعال وإطفاء أنوارها الأمامية بسرعة معطية بذلك إشارة واضحة تمامًا. وعندما فعلت سيارة الداتسن ذلك، تبع صهريج سيارة الشفروليه إلى موقف السيارات. وقد تم شراء ذلك الصهريج في وقت سابق من ذلك الشهر من وكيل سيارة سعودي، بمبلغ 75 ألف ريال سعودي تقريبًا، وأُخذ إلى مزرعة خارج القطيف، تقع على بعد مسافة عشرين دقيقة أو نحو ذلك. وهناك تم تجهيزه بحوالي خمسة آلاف باوند من المتفجرات بحيث أصبح قنبلة ضخمة.
وبعدما توقف الصهريج بجوار السياج، تمامًا أمام الحائط الشمالي من البناء 131، قفز السائق، أحمد المغسلي، وهو قائد الجناح العسكري لحزب الله في السعودية وزميله علي الحوري، وهو منظم عناصر أساسي في حزب الله، من الصهريج مسرعين إلى سيارة الشفروليه وانطلقا بسرعة تتبعهما سيارة الداتسن، وكان الرقيب ألفيردو غيرورو يقوم بمهمة الحراسة من على سطح البناء 131 عندما رأى السائق والراكب ينزلان من الصهريج، والسيارتان تنطلقان مسرعتين.
وقام غيرورو وحارسان آخران بإطلاق جرس الإنذار بعدما تأكدوا تمامًا بأنهم كانوا يحدقون بقنبلة في موقف السيارات أسفل منهم، وبعد ذلك نزل غيرورو، الذي بدأ عمله في الظهران منذ شهر واحد فقط، مسرعًا عبر الطوابق العليا من البناء 131 محذرًا الناس بإخلاء المكان مباشرة. وقد أخلى الرقيب القسم الأكبر في طابقين عندما انفجر الصهريج مخلفًا حفرة عمقها /35/ قدمًا وعرضها /185/ قدمًا ومدمرًا الواجهة الشمالية من البناء تمامًا.
وبرغم بطولة ألفيردو غيرورو، الذي نجى بدون إصابات بليغة إلا أن تسعة عشر أمريكيًا قتلوا في أبراج الخبر، ونقل أكثر من ستين آخرين إلى المستشفيات. وقد أصيب ما مجموعه 372 عسكريًا أمريكيا في التفجير. وقد كان تفجير الخبر الهجوم الأكثر دموية على مواطنين أمريكيين خارج الولايات المتحدة الأمريكية في ثلاثة عشر عامًا، منذ هجوم تشرين الأول عام 1983 على معسكرات مشاة البحرية الأمريكية في بيروت، لبنان الذي أودى بحياة 241 من مشاة البحرية. وربما كان العدد النهائي أكبر من ذلك بكثير. وبسبب السرعة، أوقف السائق الصهريج عموديًا مع البناء 131؛ ولو أوقفه متوازيًا، ووزعت قوة الانفجار على طول واجهة أوسع، فلربما نجم عنه تدمير البناء وبخسارة أعظم في الأرواح.
كنت مع زوجتي مارلين وأطفالنا في زيارة لوالديّ في منزلهم في نورث بيرغن في مقاطعة نيوجرسي عندما وقع تفجير الخبر. وكان الخامس والعشرون من حزيران، 1996 يوم ثلاثاء، وليس يوم سبت أو أحد، إلا أن اليوم منحنا فرصة نادرة للاجتماع سوية. وحرصت على أن يكون جدول أعمالي خفيفًا، وبنفس القدر من الأهمية، فلم يبق على دوام المدارس سوى بضعة أيام، وسرعان ما ستبدأ المعسكرات الصيفية والنشاطات الأخرى. اقتنصت وزوجتي مارلين فرصة صغيرة، ولكن سرعان ما بدا كما يحدث غالبًا في الحياة المفعمة بالحركة، أن الفرصة تلاشت تمامًا قبل أن نستغل منها أي شيء. كانت أمي تحضر العشاء للعائلة عندما هاتفني مركز قيادة التحقيقات الفدرالي ليخبرني أن الانفجار قد حدث منذ نصف ساعة. (توقيت السعودية يسبق توقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية بسبع ساعات). لم أسمع قط بأبراج الخبر، ولكن لم يكن ذلك مهمًا. بدأت وزوجتي مباشرة بوضع الأطفال وأمتعتهم ثانية بالسيارة.
كان وليم سيسن، الذي عمل قبلي مباشرة كرئيس لمكتب التحقيقات الفدرالي قد سافر بكثير من التفاصيل الأمنية بما في ذلك صحبة سائق. ربما كان حكيمًا في فعله ذلك؛ فالعالم مليء بالمشاكل. ولكنني كنت نفسي عميلاً لمكتب التحقيقات الفيدرالي، وواحدًا من المتذمرين، ولم أختر أسلوب الحياة الراقي الذي أعيشه الآن بحكم أنني أدير المكان، ولم أرغب لا أنا ولا زوجتي في أن يكبر أطفالنا معتقدين أنهم في سجن محمي، أو أن عليهم السفر في حراسة كي يزوروا أجدادهم.
كنت أقود سيارتي وحيدًا باتجاه نيوجرسي تيرن بايك، عندما ناقشت الهجوم لأول مرة مع النائب العام جانيت رينو، وهي رئيستي المباشرة، وأول خطوة للتواصل مع إدارة كلنتون. وتحدثت أيضًا مع ما كان يشغل وقتها منصب نائب مستشار الأمن القومي سامويل ر.ساندي بيرغر في الساعات الأولى بعد الهجوم.
وكان ساندي، الذي تقلد منصب المستشار الأساسي في السنة التالية بعد استقالة أنتوني ليك، يساعد على تنسيق جهود الاستجابة الأمنية القومية، وكان مكتب التحقيقات الفيدرالي جزءًا هامًا من ذلك. كان خط هاتفي في السيارة غير آمن، وبالتالي فلو كان لدى جانيت وساندي معلومات أكثر مما لدي سلفًا، فما كان بوسعهما تبادلها معي. كان لدينا جميعًا في تلك الساعات الأولية بعد الانفجار والأشهر التي تبعته، مزيدًا من الأسئلة وقليلاً من الأجوبة.
وبعدما ضُربت أبراج الخبر بست ساعات ونصف، وبعدما دُمر المبنى 131 ـ في حوالي الساعة العاشرة مساءً وفقًا لتوقيت الشاطئ الشرقي للولايات المتحدة الأمريكية ـ كنت وزوجتي مارلين ندخل في طريق جريت فولز، في فرجينا، تمامًا عندما كان بيل كلنتون يعلن للشعب لأول مرة عن الهجوم في خطاب مقتضب من المكتب البيضاوي.
"يبدو أن التفجير من عمل إرهابيين"، قال الرئيس. "وإذا ما كان الحال كذلك، فإنني مثل كل الأمريكيين، أغلي غضبًا بذلك. وينبغي ألا يفلت الجبناء الذين ارتكبوا هذه الجريمة الشنعاء من العقاب. وخلال ساعات قليلة، سيكون فريق من مكتب التحقيقات الفيدرالي في طريقه للمملكة العربية السعودية للمساعدة في التحقيقات". وختم الرئيس حديثه بترديد نقطة ذكرها آنفًا:" دعني أقول ثانية: سنتابع هذه المسألة" قال ذلك بصوت غاضب:" أمريكا تهتم بمصالح أبنائها. ينبغي على أولئك الذين فعلوا ألا يفلتوا من العقاب". تلك كانت كلمات ووعد، لن أنساهما أبدًا.
بالنسبة لمكتب التحقيقات الفيدرالي، كان تفجير الخبر بمثابة صرخة للعمل. فقد كانت مسؤوليات المكتب الأساسية وستبقى محلية، ولكن خلال السنوات الثلاث الأولى من عملي كمدير له، كنا نوسع من نطاق مجالنا على مستوى عالمي. فقد توسع نطاق الجريمة والإرهاب وأصبح متعدد الجنسيات، وعلينا أن نفعل ذلك أنفسنا إن كان علينا مواجهته بفعالية ضمن حدودنا. وعلى المكتب أيضًا مسؤولية محددة تتجاوز حدودنا الجغرافية حيث التفجيرات قتلت أمريكيين؛ منحنا ذلك حقًا قضائيًّا وعلينا ممارسته بأقصى سرعة.
يمكن للمواقع التي وقعت فيها الجريمة أن تفقد أهميتها بسرعة بحيث يضيع الدليل أو يُشوه لدرجة يصبح بها عديم الفائدة تمامًا. يمكن للجهود الحميدة لتنظيف الموقع من مصيبة إنسانية أن تأتي على معلومات حيوية جدًا عن زوايا الصدمة، وحجم الانفجار، وطبيعة المواد المتفجرة المستخدمة نفسها. غالبًا، ما تكون البقايا الأصغر والأسهل على الضياع الأكثر إظهارًا للحقيقة. إن قطعة صغيرة من لوحة دارة لا يتجاوز حجمها ظفر الإصبع، وُجدت في الحقول حول لوكربي في اسكتلندا هي التي أدت في نهاية المطاف إلى الليبيين اللذين فجرا طائرة بانام الرحلة 103 في السماء. لا نرغب في فقدان شيء كهذا في هذا الحادث. يمثل كل ذلك إجراءً قياسيًّا عاملاً بالنسبة لأي موقع جريمة، ولكن كان واضحًا منذ البداية أن الهجوم على أبراج الخبر لم يكن حدثًا إجراميًّا عاديًّا. ولسبب بسيط، لأنه وقع في مكان غير عادي. ومع أنها تصنف منذ أمد بعيد بأنها واحدة من أهم حلفاء أمريكا في الشرق الأوسط تعتبر السعودية بأنها واحدة من أكثر المجتمعات انغلاقًا. وقد اجتمعت المصاعب العادية المتمثلة السماح بالوصول إلى موقع الجريمة على أرض أجنبية وتأسيس صلات متبادلة مع السلطات المحلية ـ وتلك مهمة ليست سهلة أبدًا عندما تطير بعملاء لإجراء التحقيقات في هذه الحالة ـ ليس بالسرية التي تلف كل شيء بالجزيرة العربية فقط ولكن أيضًا بحاجات إثبات الدليل الخاصة التي يتطلبها نظام قضائي يعتمد على قانون الدين الإسلامي، أي: الشريعة الإسلامية. فكما يمكن لحماسة السعوديين الزائدة في موقع الجريمة أن تدمر الدليل بالنسبة لنا، يمكن لعدم مراعاتنا لخصوصيات القضاء السعودي أن تدمر مصداقية الدليل الذي نقدمه أو قبوله عند السعوديين. وهناك إمكانية حقيقية أيضًا، مفادها أنه بغض النظر عن المكان الذي تم فيه التخطيط للهجوم وبغض النظر عمن نفذه، قد ينطوي الأمر على اشتراك بعض الأصوليين المحليين بالهجوم.
وقد كان سفير السعودية القوي لدى الولايات المتحدة الأمريكية، الأمير بندر بن سلطان، سريعًا للإعلان عن مكافأة قدرها عشرة ملايين ريال (تساوي وقتها حوالي ثلاثة ملايين دولار أمريكي) لأي شخص يدلي بأية معلومات تؤدي إلى إلقاء القبض على منفذي الهجوم، ولكن يعتمد نظام الحكم في السعودية على توازن حساس بين العائلة الحاكمة بشكل كبير والحركة الوهابية، وهي الحركة الإسلامية الأكثر محافظة، التي يسيطر عناصرها على الشوارع والجوامع. وهل كان المهاجمون أجانب أو إرهابيون من الداخل. وفي أي الحالتين، كنا وسط ترتيبات مزعجة تمامًا وغير مريحة لكلا الطرفين.
في الخريف السابق، وبعد هجوم مماثل على مجمع في الرياض حيث كان متعاقدون أمريكيون مدنيون يدربون عناصر من الحرس الوطني السعودي، ألقت السلطات القبض على مجموعة من المشتبه بهم واستجوبتهم على مدى فترة امتدت عدة أشهر. وقبل هجوم الخبر بشهر تقريبًا، بثت السلطات السعودية اعترافات المتهمين على شاشة قناة تلفزيونية حكومية، وبعد ذلك تم قطع رؤوس النادمين قبل أن تتاح لنا الفرصة لاستجوابهم، أو حتى الحضور أثناء تحقيقات يجريها السعوديون. ومرة ثانية، طرحت سرعة تنفيذ الأحكام في السعودية لدى إدارة كلنتون أسئلة عن الغرض الذي تم تحقيقه: العدالة أم النفعية؟
لدينا الآن مبرر قضائي في هذه الجريمة أكثر مما كان لدينا في التفجير السابق ـ تسعة عشر عنصرًا عسكريًا مقتولاً مقارنة بخمسة عناصر مقتولين من المتعاقدين مع وزارة الدفاع ـ ولكن لم تكن هناك أية ضمانات في أن العائلة السعودية المالكة سترى الأمر بهذه الطريقة، أو أنها ستتعاون لدرجة أكبر حتى لو رأت المسألة بهذه الشاكلة. ومن بدون ذلك التعاون، سننتهي مرة أخرى كمن يراوح في مكانه. وحالما أوصلت الأطفال وحقائبهم إلى المنزل، عدت أنا وزوجتي مارلين وقطعت مسافة الأربعة وعشرين ميلاً عودة باتجاه واشنطن، وبالتحديد إلى مركز القيادة في المقر الرئيسي لمركز التحقيقات الفيدرالي في بنسلفينا آفينو.
في تلك الأيام، كان الاسم الرسمي للمكان كبيرًا "مركز التحقيقات الإستراتيجية والعمليات"، بحجم المكان نفسه تقريبًا: ثلاثة غرف في الطابق الثالث، ربما كانت مساحتها الإجمالية ألفي قدم مربع، مكتظة بأجهزة المراقبة والهواتف الأمنية بخطوط مباشرة إلى البيت الأبيض، ووكالة الاستخبارات المركزية، ووزارة الدفاع، ووكالة الأمن القومي، وأمكنة أخرى. وحتى قبل تفجير أبراج الخبر، كان المكان يضيق بنا. فقد انتهى حصار دام واحداً وثمانين يومًا في مونتانا، باستسلام الستة عشر عنصرًا الباقين من المتشددين ضد الحكومة المعروفين بـ"الرجال الأحرار"، والذين كانوا قد اختبئوا في مجمع ريفي.
وتركتنا الذاكرة الطويلة للنهاية النيرانية للحصار، الذي دام واحداً وخمسين يومًا في مجمع برنانش دافديان في واكو، في تكساس قبل ثلاث سنوات، على أشد درجات الحيطة واليقظة خلال محنة موناتانا، (وما زالت صور ذلك الحصار، الذي دام أحدَ عشر يومًا، والذي أشعله مارشالات الجيش في روبيريدج في إيداهوا 1992 حية في ذاكرتنا) وسرعان ما سيظهر أن تفجير الخبر نفسه سيكون بمثابة الطلقة الأولى في صيف مليء بالمحن.
فبعد ثلاثة أسابيع، وبالتحديد في السابع عشر من تموز، انفجرت طائرة TWA، الرحلة 800 بالقرب من لونغ آيلاند بعد دقائق من إقلاعها من مطار جون.ف. كيندي الدولي، مودية بحياة كل الركاب على متنها وعددهم 230 راكبًا. لم يعرف أحد سبب سقوطها: هل كان ذلك بسبب عطل ميكانيكي، أم قنبلة، أو بصاروخ أرض-جو، بدت كل تلك الاحتمالات معقولة في المراحل الأولى.
وبعد عشرة أيام، انفجرت قنبلة في سينتيال بارك في أتلانتا أثناء قمة الألعاب الأولمبية الصيفية. وبسب تراكم المحن واحدة فوق الأخرى، كان لدينا موظفون متروكون في الأروقة، يجرون تحقيقات على درجة عالية من الحساسية على خطوط الهاتف العادية. لم يكن لدينا أيّ خيار آخر. وأخيرًا سيكون لدينا مركز قيادة جديد، يبلغ حجمه عشرة أضعاف المركز الحالي (سميته "بوش 41" جاهزًا في عام 1999، ولكن مازال هناك ثلاث سنوات حتى ذلك التاريخ. أما بالنسبة للوقت الراهن، كان لزامًا علينا التعامل مع ما هو متوفر، وكان المكان مزدحمًا بشكل لا يمكن تصوره).
كان مستشاري للأمن القومي روبرت براينت، الملقب بـ"الدب"، ينتظرني. وكذلك كان جون أونيل، رئيس قسم برانيت المكلف بمتابعة قضايا الإرهاب، وبعض الموظفين الآخرين برتب مماثلة. (وتسلم منصب رئيس شعبة الأمن لمركز التجارة العالمي في أيلول 2001م، وقُتل في أحداث أيلول من العام نفسه، عندما انهار البرج الشمالي).
وفي رأيي، كان براينت أفضل موظف لدينا على الإطلاق، للتعامل مع الحالات المتعلقة بمكافحة الإرهاب والمخابرات. كان صلبًا كالصخر، وذكيًّا، وموهوبًا بشكل لا يصدق؛ وكان يهتم كثيرًا بالناس الذين كانوا يعملون معه أكثر من أي إنسان آخر عرفته. ومع حلول منتصف الليل ورحيله، كنا نفكر بالتقارير الإستخباراتية، محاولين صياغة نظريات حول الهجوم.
ما زالت المعلومات قليلة، وكان ذلك أمرًا موحيًا بحد ذاته؛ فلو كان حدث مثل تفجير الخبر من عمل مجموعة غير منظمة أو من رتبة الهواة غير المحترفين، لكانت محطات التنصت في وكالة المخابرات المركزية ووكالة الفضاء الأمريكية، مسرورة الآن بتسجيل أحاديث على صلة بالحدث، حيث يتصل المشاركون بزوجاتهم وإخوتهم، ليحتفلوا بالحدث العظيم، أو بل الأفضل يتصل كلٌ بالآخر للتخطيط لعقد موعد، أو للتخطيط لهجومٍ ثانٍ. وبقدر ما تكون درجة تنظيم المخططين والمنفذين عالية، تكون درجة صمت محطات التنصت رهيبة. وحتى الآن، على الأقل، بقي مهاجمو الخبر وأسيادهم صامتين كالموت، وتلك إشارة قوية أنهم من بين مؤيدي القيام بفوضى على مستوى عالمي.
وكنظرية ممكنة، فإن أفضل ما كان بوسعنا فعله في هذه الفترة القصيرة، افتراض أن هذا الهجوم هو استمرار للهجوم السابق على قوات الحرس الوطني السعودي. وذلك الهجوم نفذه كما أُخبرنا سنَّة منشقون في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، كانوا غير راضين على العائلة الحاكمة، وكانوا من مؤيدي أسامة بن لادن، وهو الفرد الأسوأ لعائلة من أغنى عائلات المملكة؛ لم يكن لدينا بالطبع أي تأكيد مباشر عن ذلك الإدعاء. فقد قُطعت رؤوس الأشخاص المعنيين، ومن دون مشاوراتنا، ولكن مع غياب أي خيوط يمكننا متابعتها، بدأنا بجمع معلومات استخباراتية من عدة مصادر متنوعة عن السنة المتشددين والشبكات التي تدعمهم.
ومع ذلك، لم تحل أي من تلك المعلومات ما كنا نعتبره جميعًا في الغرفة أكثر الحاجات إلحاحاً، ألا وهو إمكانية الوصول إلى موقع الانفجار. لقد ارتقى المكتب بالمسئولية لينفذ وعد الرئيس كلنتون: حيث كان /150/ عنصرًا من مكتب التحقيقات الفيدرالي، بما في ذلك موظفون ومحللون مخبريون، وخبراء، وخبراء أدلة شرعية، في طريقهم إلى الرياض.
وكان بإمكاننا إرسال عشرة آلاف عنصر آخر إلى هناك؛ ولكن ذلك لن يقدم في الأمر شيئًا، إلا إذا كان بوسعنا نقلهم إلى موقع الجريمة ونضمن تعاون مضيفينا. تطلب ذلك تدخل العائلة المالكة، والشخص الوحيد الذي عرفته عن بعد، وفيه المؤهلات المطلوبة، كان السفير السعودي، الأمير بندر؛ تناولت الهاتف وهاتفته. تلقى الأمير مكالمتي تلك الليلة، ولا يمكن أن يكون أكثر كرمًا مما فعل. قلت له إننا بحاجة لأن نعمل سويًّا؛ ونريد أن نتعاون مع السعوديين على أرض المملكة؛ ولكن بداية نحن بحاجة لمساعدتك، وكان جوابه ما كنت أتمناه: من فضلك تفضل لمقابلتي.
يتربع الأمير بندر على ذروة المجتمع الدبلوماسي والسياسي في واشنطن. ينتظر السفراء الآخرون في طوابير لمقابلة الرئيس؛ عمليًا لدى الأمير بندر مفتاحه الخاص إلى المكتب البيضاوي.. وبفضل العلاقة الخاصة مع السعوديين، وبسبب التهديدات التي وُجهت ضده، فهو السفير الوحيد في الولايات المتحدة الذي يتمتع بحماية خاصة من وزارة الخارجية.
وحفلات بندر خيالية؛ وقصره في مكلين ـ فيرجينا، حيث يعيش ويمضي وقته، أسطوري. تساءلت وأنا أمر بين البوابات الحديدية تمامًا بعد طريق فرجينا رقم 123، الذي يفضي إلى القصر، من هم الذي ينتظرونني الآن وكم عددهم. لقد أتيت بمفردي، لأنني شعرت أنه كلما كان بوسعي والأمير أن نتفق على أشياء على أسس شخصية، بقدر ما يكون نجاحنا أكبر الآن وفي المستقبل. وكما اتضح، لم يكن مع بندر سوى نائبه الرئيسي، ذا الكفاءة العالية تمامًا، رحاب مسعود، وبالنتيجة، يشغل منصب النائب الأول لرئيس البعثة الدبلوماسية السعودية في الولايات المتحدة.
وخلال الزيارة التي استمرت لمدة ساعتين تقريبًا، بما في ذلك الغذاء، وضعنا نحن الثلاثة أكثر من نظرية حول الهجوم. بدا أن الأمير ومسعود، وكلاهما محللان ممتازان، ليس لديهما معلومات أو أفكار أكثر مما لدى المكتب عما يمكن أن يكون مسئولا عن التفجير، ولكن كان لدى بندر معلومة جديدة اعتماداً على معلوماته السابقة قدمها لنا.
لقد علمت للمرة الأولى أن حزب الله كان نشطًا في المنطقة الشرقية من السعودية، التي تقطنها غالبية شيعية، حيث وقع التفجير. ومع أن مقر حزب الله هو في لبنا،ن إلا أنه يتلقى أوامره ويتلقى دعمًا ماديًا ولوجستيًّا من طهران، وخاصة من جهازي إيران الاستخباريين: فيالق الحرس الثوري الإسلامي، ووزارة الاستخبارات والأمن.
طرح ذلك احتمالية أن تكون الحكومة الإيرانية على علم بتفجير أبراج الخبر وقد دعمته. وافق بندر أن ذلك ممكننًا، ولكنه شك في أن يكون الأمر كذلك. وقال: لو أن إيران وافقت رسميًا على تنفيذ هجوم في الأراضي السعودية فإن ذلك سيكون خطيرًا جدًا، ويمثل انعطافًا خطيرًا في العلاقات والأحداث. سأعمل معك ومكتب التحقيقات الفيدرالي للحصول على ما ترغب. "لقد أخبرني الرئيس كلنتون بأنك المكلف بالحادث"، هذا ما قاله الأمير قبل انتهاء اللقاء بقليل. واتضح أن الأمير بندر كان صادقًا في وعده، وكانت تلك بداية صداقة أصبحت أقوى وأقوى، بعدما عرفته ووثقت به.
قلت: "ما نحتاجه أولاً وصول الفريق الذي نرسله الآن إلى موقع الانفجار؛ ونريد أيضًا أن نتحدث مع قوات الأمن لديكم ونعمل معها مباشرة". وعدني بندر بأن يهاتف الأمير نايف، وزير الداخلية السعودي، كي يسهل مهم